موازنة العام 2026: إفقار دون إعمار (2/2)
أمين صالح

مدير المحاسبة السابق في وزارة المال والنقيب الأسبق لخبراء المحاسبة المجازين

Monday, 16-Feb-2026 06:45

انطوت موازنة العام 2026 على مخالفة للدستور تجعلها باطلة بطلاناً مطلقاً، لأنّها أُقرّت ونُشرت من دون إقرار قانون قطع الحساب والحسابات المالية للدول، وانّ الضرائب التي تضمنتها ستؤدي حتماً إلى انهيار العدالة الضريبية وتفاقم التفاوت بين فئات وطبقات المجتمع، وستنتهي إلى عدم استقرار إجتماعي، يليه عدم استقرار سياسي، ما يقود البلاد إلى الفوضى.

الواردات المقدّرة في موازنة العام 2026 هي إيرادات الضرائب والرسوم وإيرادات غير ضريبية من حاصلات إدارات ومؤسسات عامة وأملاك الدولة العامة والخاصة ومن القروض (الدين العام ) وقد بلغت الإيرادات الضريبية 439 ألف مليار ل.ل ونسبتها 82% وبلغت الإيرادات غير الضريبية 99 ألف مليار ونسبتها 18%، أما القروض فقد بلغت 500 مليون د.أ وقد تصل الى 650 مليون د.أ منها قرض بـ250 مليون د.أ لقطاع الكهرباء و250 مليون د.أ لإعادة الإعمار، ومن دون لحظها في الموازنة خلافاً للدستور والقانون.
ويتبيّن مما تقدّم، أنّ السلطة اعتمدت لتمويل نفقات الدولة على الزيادة المفرطة في الضرائب والرسوم غير المرتكزة على زيادة النمو الإقتصادي وارتفاع حجم الناتج المحلي، بل على العكس من ذلك، كان الناتج المحلي تراجع من 53 مليار $ عام 2019 إلى نحو 30 مليار د.أ أي نسبة 45% وفقاً لتقدير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتراجعت القدرة الشرائية لليرة اللبنانية بمعدل 98.5%، وبالتالي القدرة الشرائية لمداخيل معظم اللبنانيين. ويعاني الآن لبنان من تضخم إنكماشي في الإقتصاد، حيث أنّ ارتفاع الأسعار لم يكن ناتجاً من زيادة الطلب على الإستهلاك وانخفاض عرض السلع والخدمات، بل هو ناتج من تدني قيمة سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وذلك كله ناتج من السياسات الإقتصادية والمالية والنقدية الفاشلة، وعمليات الهدر للأموال العامة وسوء إدارة موارد المجتمع. فالحكومة التي كان يتوجب عليها إعداد خطة للإنقاذ الإقتصادي والمالي والنقدي، ومعالجة مسألتي الدين العام والموازنة العامة، وحل مشكلة الودائع واسترداد الأموال المنهوبة، فإنّها وخلافاً لذلك، تعمد إلى استغلال التضخم الإنكماشي، ولا سيما تدهور سعر صرف الليرة، لزيادة الضرائب والرسوم وجبايتها على أساس سعر صرف 89500 ل.ل للدولار الواحد، وكل هذه الضرائب والرسوم هي ضرائب على الإستهلاك (غير مباشرة) يتحمّل عبئها الأساسي المواطن الفقير ومتوسط الدخل، ولا يتأثر بها أصحاب الثروات والرساميل.
وقد بلغت الإيرادات العادية 538 ألف مليار ل.ل بزيادة قدرها 93 ألف مليار عن عام 2025 أي بنسبة 21%، أما بالنسبة إلى الواردات الإستثنائية (الدين العام) فلم يلحظ أي مبلغ في الموازنة.
والضرائب المباشرة في موازنة العام 2026 بلغت 93 ألف مليار ليرة بزيادة عن العام 2025 بقيمة 20923 مليار ليرة وبنسبة 29%، أما الزيادة في الضرائب غير المباشرة في موازنة العام 2026 بلغت 437817 مليار ل.ل بزيادة عن العام 2025 تساوي 102.159 مليار ونسبتها 30.71%.
وللمرّة الأولى في تاريخ لبنان تكون الضريبة على الرواتب والأجور أي على العمال والمستخدمين، متقاربة جداً مع الضريبة على أرباح الرأسماليين. ففي مشروع موازنة العام 2026 قدّرت الضريبة على الأرباح بـ 32590 مليار ل.ل أي 6% من إيرادات الموازنة، في حين قدّرت الضريبة على الرواتب والاجور بـ 20175 مليار ل.ل أي 3.77% من إيرادات الموازنة ما يساوي 63% من الضريبة على الأرباح.
ويتبين مما تقدّم أنّ الزيادة في واردات الموازنة التي تنوي الحكومة تحميلها للبنانيين، ناتجة من الزيادة في الضرائب غير المباشرة. علماً أنّ الضرائب غير المباشرة تشكّل العبء الأكبر على موازنات الأسر الفقيرة والمتوسطة الدخل، بينما الضرائب المباشرة يتحمّل عبئها الطبقات الغنية والميسورة، إذ تمثل الضرائب المباشرة نحو 17.44% فقط من إيرادات الموازنة العامة، بينما كانت في السابق تساوي 17.63%، والضرائب غير المباشرة تشكّل 81.31% بينما كانت في السابق تشكّل 82.37%. علماً أنّ الضرائب على الرواتب تُعتبر من الضرائب المباشرة، وهي تطاول في الحقيقة فئة من الموظفين والمستخدمين أصبحوا من الفئات على خط الفقر، وبذلك تكون الحكومة قد لجأت إلى تحميل الفئات الفقيرة نسبة أعلى من الضرائب عمّا كانت عليه في سنة 2025.
والغريب، لجوء الحكومة في ظروف التضخم والإنكماش الإقتصادي إلى مضاعفة الغرامات على المكلّفين لتصل إلى 25 ضعفاً، وفرض رسوم وغرامات على بطاقات الهوية ووثائق الولادة والزواج والطلاق والوفاة، وتصاريح الحق الإقتصادي، بحيث وصلت الغرامة إلى 600 مليون ل.ل، ومضاعفة الرسوم الإدارية ورسوم المرافئ والموانئ والملاحة ورسوم عبور الشاحنات وجباية بعضها بالدولار الأميركي، في حين لم تفرض زيادة ذات قيمة على شاغلي الأملاك العمومية البحرية بصورة غير شرعية أو زيادة الرسوم على شاغليها بصورة شرعية، فلم تتجاوز الزيادة مبلغ 433 مليار ل.ل ما يعادل 5 ملايين د.أ ونسبتها 16%، علماً أنّ إجمالي إيرادات الأملاك العمومية البحرية تقدّر بنحو 35 مليون د.أ والمحصّل منها عام 2024 بلغ نحو 11 مليون د.أ فقط، في حين يقتضي ألّا تقلّ الحصيلة عن 250 مليون د.أ.
إنّ الضرائب ستؤدي حتماً إلى إنهيار العدالة الضريبية وتفاقم التفاوت بين فئات وطبقات المجتمع، وستنتهي إلى عدم استقرار إجتماعي يليه عدم استقرار سياسي، وهذا يقود البلاد إلى الفوضى.
إنّ ما تُقدم عليه السلطة الحاكمة لا يعدو أن يكون سوى أعمال لا إنسانية في حق شعبها، يُعاقب عليها القانون، خصوصاً إذا علمنا بوجهة إنفاق هذه الضرائب، إذ إنّ نفقات الدين العام توازي 46% من نفقات وزارة التعليم و67% من نفقات وزارة الصحة و32% من نفقات وزارة الدفاع و47% من معاشات التقاعد التي يتقاضاها آلاف المتقاعدين من مدنيين وعسكريين.
إنّ الذي يثير الدهشة هو أن تمنح السلطة التشريعية الحكومة حق التشريع في الحقل الجمركي حتى 31/12/2030، وبذلك تكون قد تخلّت عن حقها في التشريع الضريبي خلافاً للدستور وتخلّت عن صلاحية رقابتها على إدارة الأموال العمومية.
وفي الختام نقول، إنّ موازنة العام 2026 مخالفة للدستور وباطلة بطلاناً مطلقاً، لأنّها أُقرت ونُشرت من دون إقرار قانون قطع الحساب والحسابات المالية للدولة، بالإضافة إلى أنّ مجلس النواب أدخل تعديلات عليها كان ينبغي على الحكومة الموافقة عليها بثلثي الأصوات في مجلس الوزراء وبمستند رسمي هو قرار يصدر عن مجلس الوزراء، وهذا لم يحصل.

الأكثر قراءة